الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

84

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد بالعذاب الشديد عذاب مستقبل . والأرجح : أن المراد به عذاب السيف يوم بدر . وعن مجاهد : أنه عذاب الجوع . وقيل : عذاب الآخرة . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الباب حقيقة وهو باب من أبواب جهنم كقوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 71 ] . والإبلاس : شدة اليأس من النجاة . يقال : أبلس ، إذا ذل ويئس من التخلص ، وهو ملازم للهمزة ولم يذكروا له فعلا مجردا . فالظاهر أنه مشتق من البلاس كسحاب وهو المسح ، وأن أصل أبلس صار ذا بلاس . وكان شعار من زهدوا في النعيم . يقال : لبس المسوح ، إذا ترهب . وهنا انتهت الجمل المعترضة المبتدأة بجملة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ المؤمنون : 23 ] وما تفرع عليها من قوله فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [ المؤمنون : 54 ] إلى قوله إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [ 78 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 78 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) هذا رجوع إلى غرض الاستدلال على انفراد اللّه تعالى بصفات الإلهية والامتنان بما منح الناس من نعمة لعلهم يشكرون بتخصيصه بالعبادة ، وذلك قد انتقل عنه من قوله وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [ المؤمنون : 22 ] فانتقل إلى الاعتبار بآية فلك نوح عليه السلام فأتبع بالاعتبار بقصص أقوام الرسل عقب قوله تعالى : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [ المؤمنون : 22 ] فالجملة إما معطوفة على جملة وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً [ المؤمنون : 21 ] والغرض واحد وما بينهما انتقالات . وإما مستأنفة رجوعا إلى غرض الاستدلال والامتنان وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ المؤمنون : 23 ] . وفي هذا الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ثم الرجوع إلى الغرض تجديد لنشاط الذهن وتحريك للإصغاء إلى الكلام وهو من أساليب كلام العرب في خطبهم وطوالهم . وسماه السكاكي : قرى الأرواح . وجعله من آثار كرم العرب . وقوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ تذكير بوحدانية اللّه تعالى . والأظهر أن يكون ضمير الجلالة مسندا واسم الموصول مسندا إليه لأنهم علموا أن